ابن الفارض

177

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

أراد ( بالعهد ) الأول و ( العصر ) : الزمان ، و ( بالعهد ) الثاني : الميثاق الأزلي ، أي : وكنت زمان عهدي الأزلي ، وأخذ الميثاق الأوّلي قبل زمان تعلق الروح بالجسم المعبّر عنه ب ( عصر العناصر ) ، وقبل بعثة الرسل بالأنذار إلى دار البعث والنشور رسولا مرسلا مني إليّ ، واستدلّت نفسي على ذاتي بآيات صفاتي وأفعالي المثبتة فيها ، فالذات باعتبار التجرّد والابتداء تكون مرسلا ، وباعتبار تلبّسها بلباس النفس تكون مرسلا إليها ، وهذه الرسالة والنبوّة تكون قبل بعثة الرسل يوم البعث ، وقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » إشارة إلى هذه النبوّة ، وإلى أنه صورة الروح الأعظم ومظهره ، ثم طالما فرغ من بيان معنى الجمع في روحه أصالة شرع في بيان ذلك المعنى في صيرانه ، وهو سمّوها عن خلود سماء الجنّة والتقيّد بالنعيم الأخروي بعد ترفّعها عن الإخلاء في أرض القالب ، والركون إلى النعيم الدنيوي ، فتخرج حينئذ عن قيد التفرقة ويستوي عندها الدنيا والآخرة ، والنعيم والجحيم ، وهذا المعنى لا يحصل إلّا بعد إيقانها بعد المبايعة الإلهيّة حيث ساوت حياتها الدنيوية ولذّاتها العاجلة الحياة الأخرويّة ولذّاتها الآجلة ، وانتقلت من ملك أرض القالب إلى ملك سماء الجنّة ؛ كما قال : ولما نقلت النّفس من ملك أرضها * بحكم الشّرا منها إلى ملك جنّة وقد جاهدت فاستشهدت في سبيلها * وفازت ببشرى بيعها حين أوفت سمت بي لجمعي عن خلود سمائها * ولم أرض إخلادي لأرض خليفتي ( الملك ) بالكسر : ما يدخل تحت اليد والتصرّف ، وصاحبه يسمّى مالكا و ( الملك ) بالضمّ [ 222 / ق ] صفة يقتدر بها صاحبها المسمّى بالملك على التصرّف ، وهي في الدنيا عارية سترد غير داخلة تحت اليد ، وفي الآخرة باقية لا تسترد ، ولذلك يكون عنوان الكتب فيها من الملك الحيّ الذي لا يموت إلى الملك الحيّ الذي لا يموت ملك الجنّة ، وثمن ملك الأرض النفس ، كما سلم العبد ملكه المشتري سلم العبد ملك الجنّة ، فيصيّره مالك الملك ، و ( لما ) كلّمه الشرط وهو نقلت النفس وجزائها ( سمت بي ) أي : لما نقلت نفسي مما ملكته في أرضها إلى ملك سماء الجنّة بحكم الشراء ، والحال أنها جاهدت في سبيل اللّه ، فصارت شهيدة ففازت ببشرى بيعها حين أوفت رفعت بسببي لأجل جمعي بين الظاهر والباطن ، والدنيا والآخرة عن خلود سماء الجنّة ولذّاتها ، والحال أني كرهت إخلادها إلى أرض القالب المضافة إلى خليفتي ، وهذه المبالغة بما فيها مذكورة في قوله سبحانه : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ